ابن كثير

286

البداية والنهاية

وفاة السيدة نفيسة وهي نفيسة بنت أبي محمد الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، القرشية الهاشمية ، كان أبوها نائبا للمنصور على المدينة النبوية خمس سنين ، ثم غضب المنصور عليه فعزله عنها وأخذ منه كل ما كان يملكه وما كان جمعه منها ، وأودعه السجن ببغداد . فلم يزل به حتى توفي المنصور فأطلقه المهدي وأطلق له كل ما كان أخذ منه ، وخرج معه إلى الحج في سنة ثمان وستين ومائة ، فلما كان بالحاجر ( 1 ) توفي عن خمس وثمانين سنة . وقد روى له النسائي حديثه عن عكرمة عن ابن عباس " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم " . وقد ضعفه ابن معين وابن عدي ، ووثقه ابن حبان . وذكره الزبير بن بكار وأثنى عليه في رياسته وشهامته . والمقصود أن ابنته نفيسة دخلت الديار المصرية مع زوجها المؤتمن إسحاق بن جعفر ، فأقامت بها وكانت ذات مال فأحسنت إلى الناس والجذمي والزمني والمرضى وعموم الناس ، وكانت عابدة زاهدة كثيرة الخير . ولما ورد الشافعي مصر أحسنت إليه وكان ربما صلى بها في شهر رمضان . وحين مات أمرت بجنازته فأدخلت إليها المنزل فصلت عليه . ولما توفيت عزم زوجها إسحاق بن جعفر أن ينقلها إلى المدينة النبوية فمنعه أهل مصر من ذلك وسألوه أن يدفنها عندهم ، فدفنت في المنزل الذي كانت تسكنه بمحلة كانت تعرف قديما بدرب السباع بين مصر والقاهرة ، وكانت وفاتها في شهر رمضان من هذه السنة فيما ذكره ابن خلكان . قال : ولأهل مصر فيها اعتقاد . قلت : وإلى الآن قد بالغ العامة في اعتقادهم فيها وفي غيرها كثيرا جدا ، ولا سيما عوام مصر فإنهم يطلقون فيها عبارات بشيعة مجازفة تؤدي إلى الكفر والشرك ، وألفاظا كثيرة ينبغي أن يعرفوا أنها لا تجوز . وربما نسبها بعضهم إلى زين العابدين وليست من سلالته . والذي ينبغي أن يعتقد فيها ما يليق بمثلها من النساء الصالحات ، وأصل عبادة الأصنام من المغالاة في القبور وأصحابها ، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتسوية القبور وطمسها ، والمغالاة في البشر حرام . ومن زعم أنها تفك من الخشب أو أنها تنفع أو تضر بغير مشيئة الله فهو مشرك . رحمها الله وأكرمها . الفضل بن الربيع ابن يونس بن محمد بن عبد الله بن أبي فروة كيسان مولى عثمان بن عفان ، كان الفضل هذا متمكنا من الرشيد ، وكان زوال دولة البرامكة على يديه ، وقد وزر مرة للرشيد ، وكان شديد التشبه بالبرامكة ، وكانوا يتشبهون به ، فلم يزل يعمل جهده فيهم حتى هلكوا كما تقدم . وذكر ابن خلكان أن الفضل هذا دخل يوما على يحيى بن خالد وابنه جعفر يوقع بين يديه ، مع الفضل عشر قصص فلم يقض له منها واحدة ، فجمعهن الفضل بن الربيع وقال : ارجعن خائبات خاسئات ثم نهض وهو يقول :

--> ( 1 ) الحاجر : موضع على خمسة أميال من المدينة .